يرى فريق تحرير ليفانت إنتل أن إعلان مصر اكتشافًا جديدًا للغاز الطبيعي في دلتا النيل يحمل دلالات سياسية واقتصادية تتجاوز حجم الإنتاج المعلن، إذ تحاول القاهرة استعادة موقعها الإقليمي في سوق الطاقة بعد سنوات من تراجع الإنتاج وارتفاع الضغوط على الاقتصاد المحلي. ويأتي ذلك بينما تواجه البلاد أزمة عملة أجنبية متفاقمة، إلى جانب ارتفاع فاتورة الاستيراد وزيادة الطلب المحلي على الطاقة.


وأشار تقرير نشره موقع ليفانت إنتل إلى أن الاكتشاف الجديد، الذي تُقدَّر طاقته الأولية بنحو 50 مليون قدم مكعبة يوميًا، يعكس سعي الحكومة إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، خاصة بعدما تحولت مصر خلال الأعوام الأخيرة من دولة تراهن على تصدير الغاز إلى دولة تواجه تحديات حقيقية في تلبية احتياجاتها الداخلية.


تراجع الإنتاج يضغط على الاقتصاد المصري


شهد قطاع الغاز المصري تحولات حادة منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، بعدما تراجع الفائض الذي سمح لمصر سابقًا بتقديم نفسها مركزًا إقليميًا للطاقة في شرق المتوسط. وبينما ارتفع الاستهلاك المحلي بصورة متسارعة، انخفض الإنتاج في بعض الحقول الرئيسية، ما دفع القاهرة إلى العودة للاستيراد وزاد الضغط على احتياطي النقد الأجنبي.


وسعت الحكومة خلال السنوات الأخيرة إلى تكثيف عمليات الاستكشاف لجذب شركات الطاقة العالمية، غير أن المستثمرين ما زالوا يتعاملون بحذر مع السوق المصرية بسبب تأخر سداد المستحقات المالية وتعقيد الإجراءات التنظيمية وغياب وضوح العوائد المستقبلية. وترى مؤسسات اقتصادية دولية أن نجاح مصر في استعادة ثقة المستثمرين يرتبط بسرعة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وتوفير بيئة تشغيل أكثر استقرارًا.


ويحذر مراقبون من أن استمرار أزمة الطاقة قد ينعكس بصورة مباشرة على الصناعة والكهرباء والأسعار، خاصة مع زيادة الاعتماد على الاستيراد في ظل ضعف العملة المحلية وارتفاع تكلفة التمويل الخارجي.


البنية التحتية تمنح القاهرة أهمية إقليمية


رغم تراجع الإنتاج، ما زالت مصر تمتلك عناصر قوة مهمة في قطاع الغاز، أبرزها محطتا إسالة الغاز في إدكو ودمياط، اللتان تمنحان القاهرة دورًا استراتيجيًا في تصدير غاز شرق المتوسط إلى الأسواق العالمية. وتراهن الحكومة على استخدام هذه البنية التحتية لاستقبال الغاز من دول مجاورة مثل قبرص وإسرائيل ثم إعادة تصديره.


ويمنح هذا الدور مصر أهمية جيوسياسية في معادلات الطاقة الإقليمية، حتى مع استمرار التذبذب في الإنتاج المحلي. لكن خبراء الطاقة يرون أن الحفاظ على هذا الموقع يحتاج إلى استثمارات ضخمة وتطوير مستمر للبنية التحتية، إضافة إلى تسريع الموافقات الحكومية وتخفيف القيود البيروقراطية التي تعطل نشاط الشركات الأجنبية.


كما تواجه القاهرة تحديًا آخر يتمثل في ارتفاع الاستهلاك المحلي للكهرباء والغاز، خاصة خلال فصل الصيف، ما يقلل الكميات المتاحة للتصدير ويضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين تلبية الطلب الداخلي والحفاظ على الإيرادات الخارجية.


اكتشافات جديدة واختبار حقيقي للحكومة


لا ينظر التقرير إلى الاكتشاف الجديد باعتباره نقطة تحول كبرى، بل يراه اختبارًا لقدرة الدولة على تحويل الاكتشافات المحدودة إلى استراتيجية متكاملة تعيد التوازن لقطاع الطاقة. فنجاح مصر لن يعتمد على وجود الموارد فقط، بل على قدرتها في إدارة الملف اقتصاديًا وتنظيميًا.


وترسل القاهرة عبر هذه الاكتشافات رسالة إلى الأسواق بأنها لا تزال لاعبًا مؤثرًا في ملف الغاز الإقليمي، لكن المستثمرين ينتظرون خطوات عملية تثبت قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية وتحسين بيئة الاستثمار.


وفي ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، تبدو عودة قطاع الغاز إلى النمو واحدة من أهم الرهانات التي يعوّل عليها النظام المصري لتخفيف الضغط على الاقتصاد واستعادة جزء من الثقة المفقودة في الأسواق الدولية.

 

https://levantintel.net/analysis/656/cairo-bets-on-gas-rebound